أقلام

د. محمد عابدين يكتب : شنقيط هبة المحظرة!.. 

 

ظلت المحظرة عبر قرون طويلة من مسارها مؤسسة علمية عريقة ، نهضت بالعديد من الأدوار الطلائعية المركزية في تاريخ الأمة الشنقيطية ، فإذا كانت مصر هبة النيل طبقا للمقولة المشهورة للمؤرخ والفيلسوف اليوناني “هيرود وت”  ، فإن شنقيط هبة المحظرة ، أو لنقل بالأحرى إن المحظرة هبة شنقيط إلى العالم بأسره ، فهي السفارة العلمية والمرجعية الفكرية والخلفية المعرفية الناظمة لمشروعنا الحضاري ؛ رؤية علمية ودورا تاريخيا ومنهجا تربويا .

لقدأسهمت بنصوصها ومتونها وأعلامها وشيوخها فى ترسيخ قيم السلم والعلم والحلم ، وتجذير مبادئ الوسطية والاعتدال والفهم السليم للإسلام الحنيف ، بعيدا عن الفكر العقيم والرأي السقيم وخطابات الغلو والتطرف والتنطع ، فضلا عن حضورها المشهود فى المقاومة الثقافية للاستعمار ، وتصديها الحازم لما انبثق عنه من مظاهر التغريب والاستلاب الفكري و الحضاري.

أجل على أديم هذه الأرض الطيبة المعطاء ، ومن رحم هذه الصحراء انبجست رحلة  معرفية فكرية فريدة ، وتأسست كينونة حضارية  مجيدة ، أنجبت جهابذة العلماء وأفذاذ الأعلام ، ممن وقروا فى وجدان الذاكرة العربية الإسلامية ، وأنتجوا ثقافة إسلامية أصيلة رصينة امتدت مع أجيال الرحلة واندغمت في ألوان اللوحة ، وانطلقت إلى مشارق الأرض ومغاربها ؛ تأسيسا وتجسيدا وتجديدا لروح السفارة العلمية الشنقيطية بغزارة عطائها وعمق حضورها وإسهامها في تراث المعرفة والحضارة الإنسانية.

وإذا كان ذلك هو التاريخ المشرق لهذه الأيقونة الشنقيطية بكل حمولتها الرمزية وشحنتها الدلالية ، فإن المحظرة اليوم تحتاج لوقفة حازمة ولحظة مراجعة حاسمة ؛ تشمل كل حواضنها الأكاديمية والإعلامية لإحداث تحول جذري وثورة علمية فى مناهجها ومقرراتها ومفرداتها ؛ لتتصل بأسباب الحداثة والوعي وتنفتح على روح العصر وتبتعد عن الجمود والتحجر ، ولابد لتحقيق ذلك من العمل المدروس والممنهج والتفكير الاستراتيجي الخلاق ، والانفتاح على الثورة الرقمية والمواكبة الديناميكية لمستجدات القرية الكونية ؛ سبيلا إلى صناعة جيل متشبع بالتراث الأصيل ، متطلع إلى الفكر الرصين ، منفتح بوعي على معطيات العصر ، مستوعب بعمق لأدوات التجديد ؛ تأسيسا لرؤية عميقة ومقاربة مستنيرة موريتانية السياق عربية الهوية، إسلامية المنطلق إنسانية التوجه.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى