العربية والإسلام واللغات الوطنية: الخروج من الصراع الهوياتي الزائف بقلم: أحمد محمد حماده

على ضوء قراءتي للمقال الذي كتبه الأستاذ مامادو خاليدو با ونشره موقع CRIDEM، حول العلاقة بين اللغة العربية والإسلام ومكانة اللغات الوطنية في التعليم والخطاب الديني، وجدت نفسي أمام مجموعة من الأفكار والأسئلة التي تستحق التوقف عندها والنقاش بشأنها بهدوء ومسؤولية.
ولا يتعلق الأمر هنا بالدخول في سجال شخصي مع الكاتب أو بمحاولة نفي مشروعية المخاوف التي عبّر عنها، بل بمحاولة تقديم قراءة مختلفة لبعض الاستنتاجات التي تضمنها مقاله، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعلاقة بين اللغة العربية والهوية الثقافية، وبين تعلم لغة القرآن والمحافظة على اللغات الوطنية.
فالمخاوف المرتبطة بحماية لغات وثقافات مختلف مكونات المجتمع الموريتاني هي مخاوف مشروعة في أصلها، ولا ينبغي التقليل من أهميتها. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي أيضاً ذاكرة جماعية وحامل للثقافة والتاريخ وطريقة في رؤية العالم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يشكل تعلم العربية، بالنسبة إلى المسلم غير العربي، تهديداً حقيقياً للغته وهويته؟ أم أننا نخلط أحياناً بين العربية باعتبارها لغة القرآن والتراث الإسلامي، وبين العروبة باعتبارها هوية ثقافية أو مشروعاً سياسياً؟
إن تعلم العربية لا يحول البولاري أو السوننكي أو الولفي، ولا أي مسلم آخر، تلقائياً إلى عربي. وكما أن الحديث بالفرنسية لا يجعل الإفريقي فرنسياً، فإن استعمال الإنجليزية لا يجعل الإنسان إنجليزياً.
يمكن للغة أن تكون أداة للمعرفة والتواصل والانفتاح، من دون أن تعني التخلي عن الذات.
وهذا ما تؤكده، في الواقع، تجربة العالم الإسلامي. فقد انتشر الإسلام بعيداً عن شبه الجزيرة العربية وترسخ في مجتمعات تمتلك لغاتها الخاصة وتقاليدها وهوياتها المتميزة. وظل الإيرانيون مرتبطين بالفارسية، وحافظ الأتراك على لغتهم، كما لم يتخل الإندونيسيون والماليزيون والباكستانيون وشعوب غرب إفريقيا وغيرهم عن لغاتهم أو يذوبوا في هوية عربية.
وفي جميع هذه المجتمعات، احتفظت العربية بمكانة خاصة، ويرجع ذلك أساساً إلى كونها لغة القرآن الكريم. ولذلك فإن ملايين المسلمين غير العرب لا يتعلمون العربية بالضرورة بدافع مشروع هوياتي، بل رغبة في الاقتراب من النص المؤسس لعقيدتهم.
وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن كل مسلم ملزم بأن يصبح متحدثاً بالعربية حتى يفهم دينه. فالترجمات والشروح والتعليم باللغات الأم أمور ضرورية وأساسية. ويجب أن يكون المؤمن قادراً على فهم مبادئ دينه باللغة التي يفكر بها ويتواصل من خلالها في حياته اليومية.
لكن هناك فرقاً بين فهم معاني النص عن طريق الترجمة، وبين امتلاك إمكانية الوصول، ولو بصورة تدريجية، إلى اللغة التي نزل بها النص.
ولا يوجد تعارض بين الأمرين، بل يمكن أن يكون كل منهما مكملاً للآخر.
وربما ينبغي أن يبدأ النقاش من هنا: ليس من منطلق وضع البولارية في مواجهة العربية، أو السوننكية في مواجهة العربية، وإنما من البحث عن توازن يتيح للمواطن أن يتقن لغته الأم، وأن يمتلك في الوقت نفسه، إذا أراد واستطاع، مفاتيح الوصول إلى لغة المصادر الأساسية للإسلام.
إن تاريخ المجتمعات الإسلامية في غرب إفريقيا يقدم بدوره إجابة مهمة عن بعض المخاوف المعاصرة.
فقد عاش الفلان والسوننكي والولوف وغيرهم من شعوب المنطقة قروناً طويلة في فضاء الإسلام. ودرس أجيال من علمائهم القرآن والفقه والعلوم الدينية باللغة العربية، كما كتب بعضهم ودرّس بها.
ومع ذلك، لم تختف لغاتهم.
فالبولارية ما تزال قائمة وتشكل جزءاً أساسياً من هوية ملايين الناس، كما عبرت السوننكية والولفية القرون وظلتا حاضرتين في حياة مجتمعاتهما وثقافاتهما.
ولو كان تعلم العربية يؤدي بصورة آلية إلى محو الهوية الثقافية، فكيف يمكن تفسير بقاء هذه اللغات والهويات بعد قرون طويلة من حضور الإسلام والتعليم الديني باللغة العربية؟
إنه سؤال يستحق أن يُطرح.
كما أن المحظرة الموريتانية نفسها ينبغي النظر إليها في سياقها التاريخي. فقد شكلت، على مدى قرون، فضاءً لنقل المعرفة الدينية، وكان القرآن والحديث والفقه واللغة العربية يحتلون فيها مكانة مركزية بشكل طبيعي.
ومن الصعب تصور دراسة معمقة للنحو العربي من دون العربية، أو دراسة النصوص الكلاسيكية للفقه الإسلامي من دون حد أدنى من المعرفة باللغة التي كتبت بها.
لكن هذا لا يعني، في المقابل، أن التعليم الديني يجب أن يبقى حكراً على نخبة تتقن العربية. بل على العكس من ذلك.
ينبغي أن تكون الشروح والدروس والمواعظ وأعمال التوعية الدينية متاحة باللغات التي يفهمها الناس. فالمسلم الذي يتحدث البولارية أو السوننكية أو الولفية في حياته اليومية يجب أن يكون قادراً على تلقي تعليم ديني واضح بلغته.
ولا ينبغي أبداً التضحية بالفهم من أجل الشكل.
لكن جعل الإسلام قريباً من الناس بلغاتهم الوطنية لا يعني بالضرورة الاستغناء عن العربية في التعليم الديني.
إذ يمكن تقريب المعاني إلى المؤمن بلغته الأم، مع إتاحة الفرصة له، بحسب قدراته ورغباته، للتعرف على لغة النص الأصلي.
وتوضح مسألة خطبة الجمعة بدورها أهمية التمييز بين مستويات النقاش المختلفة.
فالخطبة التي لا يفهم منها المصلون شيئاً تفقد، بالضرورة، جزءاً مهماً من وظيفتها التربوية والتوجيهية. ولذلك، من مصلحة الإمام والداعية أن يشرحا ويوضحا ويتواصلا مع المصلين باللغة التي يفهمونها.
لكن القضايا المتعلقة بلغة الشعائر الدينية والقواعد التي تحكمها لا يمكن اختزالها في مجرد مواجهة سياسية بين اللغات. فهي ترتبط أيضاً بتراث فقهي طويل، شهد نقاشات واختلافات لا يمكن تجاهلها.
وهنا أيضاً، لا ينبغي النظر إلى التعارض بين العربية واللغات الوطنية باعتباره قدراً محتوماً.
فلماذا لا نفكر في صيغة تجمع بين الأمرين؟ ممارسة دينية تراعي المرجعيات والضوابط الشرعية، ترافقها شروح ودروس وتوضيحات بلغات المصلين.
ربما لا تكمن المشكلة في وجود لغات متعددة، بل في ميلنا إلى الاعتقاد بأن لغة لا يمكن أن توجد إلا على حساب لغة أخرى.
وينطبق هذا التفكير أيضاً على الدولة والإدارة.
فموريتانيا بلد يتميز بتنوع ثقافي ولغوي كبير. وحماية اللغات الوطنية وتوثيقها وتعليمها وتشجيع تطويرها مسؤولية وطنية. ولا ينبغي أن تُترك أي لغة لمصير الاندثار بسبب الإهمال أو غياب السياسات العامة.
لكن الدولة الحديثة تحتاج في الوقت نفسه إلى لغة أو لغات مشتركة تتيح التواصل بين المواطنين والمؤسسات.
وقد اختارت دول كثيرة لغة رسمية واحدة رغم تنوعها اللغوي، بينما اختارت دول أخرى اعتماد عدة لغات رسمية. ولا يوجد نموذج واحد يصلح للجميع.
والمهم هو قدرة السياسة اللغوية على تحقيق التوازن بين الوحدة الوطنية والتنوع الثقافي.
ولا ينبغي أن يُفسر اختيار لغة مشتركة للإدارة أو للتعليم العالي تلقائياً باعتباره حرباً على اللغات الأخرى. كما لا ينبغي النظر إلى تطوير اللغات الوطنية باعتباره تهديداً للعربية.
فاللغات ليست، بطبيعتها، جيوشاً تتنافس في ما بينها.
لكنها قد تتحول أحياناً إلى أدوات للمواجهة حين تجعلها السياسة والهواجس الهوياتية رموزاً للهيمنة أو المقاومة.
ولهذا، من المفيد الاعتراف بحقيقة بسيطة: الخوف على اللغة مشروع. فاللغات الصغيرة أو الهشة يمكن أن تكون مهددة بالفعل في عالم تهيمن عليه مجموعة محدودة من اللغات الكبرى.
وعلى الدولة الموريتانية، في هذا السياق، مسؤولية خاصة تتمثل في حماية مجموع التراث اللغوي الوطني.
لكن هذه المسؤولية لا ينبغي أن تقود إلى تحويل اللغة العربية إلى عدو طبيعي للغات الأخرى.
فبالنسبة إلى ملايين المسلمين غير العرب، لا تمثل العربية رمزاً لهوية أجنبية مفروضة، بل هي قبل كل شيء لغة نص ديني يرتبطون به ارتباطاً عميقاً.
وبالمثل، فإن البولارية والسوننكية والولفية والحسانية ليست عوائق أمام الإسلام، بل هي لغات يتحدث بها مسلمون، ويمكن أن تكون أدوات قوية لنقل المعرفة الدينية وتعليمها.
وهنا بالضبط ينبغي أن تبني موريتانيا تفكيرها: على التكامل لا على المواجهة.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بتعزيز الفهم الديني ومواجهة التأثيرات الخارجية.
فمن الصعب الادعاء بأن المؤمن يمكن أن يمتلك فهماً راسخاً لدينه إذا لم يتلقَّ في أي وقت شروحاً وتعاليم بلغة يتقنها. ولذلك، من الضروري الترجمة والشرح والتعليم.
ينبغي العمل تدريجياً على إتاحة كتب التفسير والسيرة النبوية والفقه والعلوم الإسلامية الأساسية باللغات الوطنية المختلفة، كما ينبغي تشجيع تكوين أئمة ودعاة قادرين على مخاطبة الناس بلغاتهم.
لكن هذا العمل لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره بديلاً عن تعلم العربية، بل باعتباره مكملاً له.
ففهم الإنسان لدينه بلغته الأم، وامتلاكه في الوقت نفسه مفاتيح الوصول إلى لغة نصوصه المؤسسة، ليسا هدفين متناقضين، بل يمكن أن يعززا معاً المعرفة والاستقلال الفكري لدى المؤمن.
إن موريتانيا ليست بحاجة إلى حرب جديدة بين اللغات أو الهويات.
وليست بحاجة إلى مطالبة المواطن بالاختيار بين انتمائه الثقافي وإيمانه، أو بين لغته الأم ولغة القرآن.
يمكن للموريتاني أن يكون شديد الارتباط بالبولارية أو السوننكية أو الولفية أو الحسانية، وأن يتعلم العربية في الوقت نفسه. ويمكنه أن يكون مسلماً وإفريقياً وموريتانياً، من دون أن تكون هذه الانتماءات متناقضة.
وتظهر المشكلة الحقيقية عندما تتحول اللغة إلى مشروع للإقصاء، والهوية إلى أداة للمواجهة.
وإذا كانت بعض السياسات التي مورست باسم التعريب قد تسببت في إحباطات أو مظالم، فمن الواجب مناقشتها وانتقادها بصدق. فكل سياسة عامة قابلة للنقاش والمراجعة.
لكن نقد سياسة معينة لا ينبغي أن يقود إلى تحويل اللغة العربية نفسها إلى خصم.
كما أن الدفاع عن اللغات الوطنية لا ينبغي أن يُفسر باعتباره تشكيكاً في المكانة الخاصة التي تحتلها العربية في الوعي الديني والثقافي لدى جزء كبير من السكان.
إن موريتانيا تمتلك ثروة تبحث مجتمعات كثيرة اليوم عن سبل لحمايتها: التنوع.
ولا ينبغي أن يُنظر إلى هذا التنوع باعتباره تهديداً، بل باعتباره فرصة.
فأفضل سياسة لغوية ليست تلك التي تطلب من المواطن التخلي عن لغة من أجل لغة أخرى، بل هي التي تتيح له توسيع أفقه.
إن معرفة الإنسان للغته تعني الحفاظ على جزء من ذاكرته وهويته، أما تعلم لغات أخرى فيعني فتح أبواب جديدة أمام المعرفة.
وبالنسبة للمسلم، يمكن أن تكون العربية أحد هذه الأبواب: ليس باباً للتخلي عن الهوية، بل نافذة تتيح له علاقة أقرب بالنصوص التي يؤمن بها.
وبين معرفة الإنسان لذاته وفهمه لدينه، لا ينبغي أن يكون هناك صراع.
بل ينبغي أن تكون هناك مساحة للقاء.



