ثورة 23 يوليو 1952: بين مشروع النهضة العربية وإرث الدولة المركزية… قراءة نقدية في التجربة الناصرية وامتداداتها إلى موريتانيا

ثورة 23 يوليو 1952: بين مشروع النهضة العربية وإرث الدولة المركزية… قراءة نقدية في التجربة الناصرية وامتداداتها إلى موريتانيا.
احمد محمد حماده/كاتب و محلل سياسي
لا يمكن قراءة التاريخ السياسي العربي الحديث دون التوقف مطولًا عند ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 في مصر. فهي لم تكن مجرد انقلاب عسكري أطاح بالنظام الملكي، كما يصفها بعض الباحثين، ولا ثورة اجتماعية مكتملة الأركان كما يراها أنصارها، بل كانت لحظة تأسيسية أعادت صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ورسخت نموذجًا جديدًا للحكم، كما أعادت تعريف مفهوم الاستقلال الوطني في العالم العربي.
ففي منتصف القرن العشرين، كانت المنطقة العربية تعيش حالة من الانكسار السياسي والهيمنة الاستعمارية والتفاوت الاجتماعي الحاد. وجاءت هزيمة الجيوش العربية في فلسطين عام 1948 لتكشف هشاشة الأنظمة التقليدية، وتمنح مجموعة من الضباط الشباب، بقيادة جمال عبد الناصر، شرعية أخلاقية وسياسية للتحرك باسم التغيير الوطني.
نجحت الثورة سريعًا في إنهاء النظام الملكي وإلغاء الامتيازات الإقطاعية، ثم أطلقت برنامجًا واسعًا للإصلاح الزراعي، ووسعت قاعدة التعليم المجاني، وعملت على بناء قطاع صناعي تقوده الدولة، قبل أن تبلغ ذروة مشروعها السياسي بقرار تأميم قناة السويس عام 1956، وهو القرار الذي حول مصر إلى رمز عالمي لمقاومة الاستعمار، ورسخ مكانة عبد الناصر زعيمًا عربيًا تجاوزت شعبيته حدود بلاده.
غير أن نجاحات يوليو لا يمكن فصلها عن كلفتها السياسية. فقد قامت الدولة الجديدة على مركزية شديدة في صناعة القرار، وتم حل الأحزاب السياسية، وفرضت قيود واسعة على حرية الصحافة والعمل السياسي، وأصبحت المؤسسة العسكرية الفاعل الرئيسي في إدارة الدولة. ومع مرور الوقت، تراجع التوازن بين متطلبات التنمية ومقتضيات المشاركة السياسية، الأمر الذي جعل المشروع الناصري يحقق نجاحًا في بناء الدولة، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في بناء مؤسسات ديمقراطية قادرة على تداول السلطة.
أما اقتصاديًا، فقد حققت مصر معدلات مهمة في التصنيع الثقيل وإنشاء البنية التحتية، وتوسيع الطبقة الوسطى، وتحسين فرص التعليم والرعاية الصحية، إلا أن هيمنة القطاع العام والبيروقراطية وضعف الإنتاجية خلقت اختلالات هيكلية ظهرت بوضوح في أواخر الستينيات، وزادتها هزيمة يونيو 1967 تعقيدًا، لتصبح تلك الهزيمة أكبر اختبار تعرض له المشروع الناصري، وأول مراجعة حقيقية لحدود النموذج الذي بشرت به الثورة.
ورغم تلك الانتكاسة، لم تتراجع جاذبية الفكر الناصري عربيًا. فقد وجد صداه في الجزائر واليمن والعراق وسوريا وليبيا، كما ألهم حركات التحرر الوطني في إفريقيا، إذ ارتبط في الوعي الجمعي بمفاهيم السيادة الوطنية، والوحدة العربية، والعدالة الاجتماعية، ومقاومة النفوذ الأجنبي.
وفي موريتانيا، لم يكن تأثير الناصرية هامشيًا. فمنذ السنوات الأولى للاستقلال، أصبحت أفكار القومية العربية وعبد الناصر حاضرة بقوة داخل الأوساط الطلابية والنقابية والثقافية، خاصة في المدن الكبرى، وأسهمت في تشكيل وعي سياسي جديد يدعو إلى تعزيز الانتماء العربي، وإصلاح التعليم، وترسيخ اللغة العربية في الإدارة ومؤسسات الدولة.
وقد ظهر هذا التأثير بوضوح داخل الحركة الطلابية الموريتانية في الجامعات العربية، ولا سيما في مصر، حيث عاد عدد من الطلبة متأثرين بالفكر القومي والناصري، لينخرطوا لاحقًا في الحياة السياسية والثقافية داخل البلاد. كما انعكس هذا الحضور في الأدبيات السياسية لعدد من الحركات القومية التي برزت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وإن ظلت محدودة التأثير أمام خصوصية المجتمع الموريتاني وتعدد مكوناته الثقافية والعرقية.
ومع ذلك، فإن التجربة الموريتانية لم تستنسخ النموذج المصري. فقد فرضت البنية الاجتماعية والقبلية، إلى جانب التعدد اللغوي والثقافي، مقاربة مختلفة لمسألة الهوية الوطنية، وهو ما جعل الخطاب القومي العربي يتعايش مع رؤى أخرى تدعو إلى الاعتراف بالتنوع الوطني، الأمر الذي حد من قدرته على التحول إلى مشروع سياسي مهيمن كما حدث في بعض البلدان العربية.
واليوم، وبعد أكثر من سبعين عامًا على ثورة يوليو، لم يعد الجدل يدور حول شرعيتها التاريخية بقدر ما يدور حول حصيلتها السياسية. فأنصارها يرون أنها حررت الإرادة الوطنية، وأعادت توزيع الثروة، وأطلقت مشروعًا تنمويًا غير مسبوق، بينما يعتبر منتقدوها أنها أسست لنظام سلطوي جعل الدولة أقوى من المجتمع، ورسخ دور المؤسسة العسكرية في الحكم على حساب الحياة الديمقراطية.
وربما تكمن القيمة الحقيقية لثورة يوليو في أنها ما تزال تطرح الأسئلة نفسها التي تواجه العالم العربي حتى اليوم: كيف يمكن تحقيق التنمية دون التضحية بالحريات؟ وكيف تُبنى دولة قوية دون أن تتحول إلى دولة مهيمنة؟ وهل يكفي الاستقلال الوطني إذا لم يصاحبه بناء مؤسسات ديمقراطية مستدامة؟
لقد كانت ثورة يوليو مشروعًا تاريخيًا كبيرًا، حقق إنجازات يصعب إنكارها، كما ارتكب أخطاء لا يمكن تجاهلها. وبين النجاح والإخفاق، يبقى إرثها حاضرًا في الذاكرة العربية، ليس باعتباره تجربة مكتملة، بل باعتباره أحد أهم المختبرات السياسية التي شكلت ملامح الدولة العربية الحديثة، وما تزال آثارها ممتدة، بدرجات متفاوتة، في مصر والعالم العربي، ومنه موريتانيا.




