حين يتحول التأديب إلى تعذيب… فمن يحمي براءة الأطفال؟/محمد يحي المحمود

استوقفني اليوم مقطع فيديو متداول، يظهر فيه طفل صغير وقد ربط بحبل من عنقه، بينما ينهال عليه معلم للقرآن بالسوط ضربا حد الجلد، حتى ارتفع صراخه واستغاثته من شدة الألم. ولأننا لا نستطيع التحقق من هوية الشخص الظاهر في المقطع ولا من جنسيته أو مكان وقوع الحادثة، فإن الإنصاف يقتضي ألا نوجه الاتهام إلى أحد بعينه. لكن المشهد نفسه، إن صح، كاف لأن يهز الضمير الإنساني، ويستوجب الوقوف عنده بكل حزم.
إن تعليم القرآن الكريم من أشرف الرسالات وأعظمها، فهو تعليم لكلام الله، وغرس للإيمان والأخلاق والقيم في نفوس الناشئة. ومن يحمل هذه الرسالة ينبغي أن يكون قدوة في الرحمة قبل أن يكون معلما في الحفظ والتلقين. فكيف يرجى أن يتعلم الطفل كتاب الرحمة على يد من لا يرحمه؟
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بالصغار، ولم يكن الفظاظة ولا العنف سبيله في التربية والتعليم، بل كان يقول: ” إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه”. فالرفق ليس ضعفا، وإنما هو منهج تربوي أثبت نجاحه عبر العصور.
ولا شك أن الفقهاء تحدثوا عن التأديب في بعض الحالات، لكنه لم يكن يوما إذنا مفتوحا للعنف أو الإيذاء أو الإهانة. بل وضعوا لذلك ضوابط صارمة؛ فلا يكون الضرب مبرحا، ولا مهينا، ولا مسببا لضرر بدني أو نفسي، ولا يلجأ إليه إلا عند الضرورة وبعد استنفاد وسائل التربية الأخرى. أما ربط طفل من عنقه أو جلده بالسياط، فليس تأديبا، بل هو اعتداء يناقض مقاصد الشريعة وأصول التربية السليمة.
ومن المؤسف أن مثل هذه التصرفات لا تسيء إلى الطفل وحده، بل تسيء أيضا إلى صورة المحاظر وحلقات تحفيظ القرآن، وإلى آلاف المعلمين الأفاضل الذين أفنوا أعمارهم في تعليم كتاب الله بالحكمة واللين، وربوا أجيالا كاملة على المحبة والاحترام.
إن المسؤولية هنا مشتركة. فعلى الآباء ألا يكتفوا بإرسال أبنائهم إلى معلم القرآن، بل عليهم أن يحسنوا اختيار المعلم، وأن يتابعوا أبناءهم باستمرار، وأن يطمئنوا إلى أنهم يتلقون القرآن في بيئة آمنة تحفظ كرامتهم وتغرس فيهم حب كتاب الله، لا الخوف ممن يعلمه.
فالطفل الذي يهان وهو يحفظ القرآن قد يحفظ الآيات، لكنه قد يفقد الشعور بالأمان، وربما ارتبط القرآن في ذاكرته بالألم بدل السكينة، وبالخوف بدل الطمأنينة. وهذه خسارة تربوية لا تقل خطورة عن أي إصابة جسدية.
وانطلاقا من هذا المشهد المرعب، الذي يصعب على أي إنسان مشاهدته لما يتعرض له الطفل من تعذيب وإذلال، فإن الواجب اليوم لم يعد يقتصر على الاستنكار، بل يفرض اتخاذ إجراءات عملية تحول دون تكرار مثل هذه الانتهاكات.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى أن تتبنى الجهات المختصة، وفي مقدمتها وزارة الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي، وبالتنسيق مع وزارة الداخلية ووزارة العمل الاجتماعي والطفولة والأسرة، برنامجا وطنيا لتكوين معلمي القرآن الكريم في أساليب التربية والتعليم الحديثة، وفق أحكام الشريعة ومبادئ الرحمة، مع وضع مدونة واضحة، وسن تشريعات رادعة تجرم كل أشكال العنف والإيذاء البدني أو النفسي ضد الأطفال، مع آليات فعالة للرقابة والمتابعة والمساءلة.
إننا حين ندين مثل هذه الممارسات، فإننا لا نهاجم تعليم القرآن، بل ندافع عن رسالته الحقيقية؛ رسالة الرحمة والهداية والرفق. فالقرآن الذي وصفه الله بأنه رحمة للعالمين لا ينبغي أن يقدم للأطفال في أجواء من الرعب والعنف.
فلنحم أبناءنا، ولنصن كرامتهم، ولنجعل من تعليم القرآن منارة للرحمة، كما أراده الله، لا سببا في نفور الأطفال من كتاب الله أو زرع الخوف في نفوسهم. فالتربية الحقة تبني الإنسان، أما العنف فلا يورث إلا الألم والانكسار.
محمد يحي المحمود




