ما يُفعل بولد عبد العزيز أسوأ من جريمة… إنه خطأ! /أحمد بن هارون

في الدول التي تحترم نفسها، لا يُختبر القانون لحظةَ الإدانة، ولا تُختبر الأنظمة في لحظات الزهو، وإنما يُبلى الجميع يوم يهان القوي ويفقد الخصم وسيلته.
وأدقُّ تلك اللحظات وأكثرُها حرجا لحظة المرض، ولحظة الموت؛ خصوصا عندما يكون المعني رئيسا سابقا حكَمَ البلاد لأكثر من عقد، وصاحِبَ أعلى رتبة في الجيش الوطني، أو حين يكون خصما معلَنا لأركان السلطة. فالدولة، بطبيعتها السيادية، لا تنتقم؛ والقانون، بروحه السامية، لا يسقم.
لقيتُ يوم أمس، على هامش دعوة من إخوتي في حزب “من أجل موريتانيا قوية”، نفرا من أنصار الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز. منهم من قاسمه يوميات الحكم ومجالس الوزراء، ومنهم من جمعته به الرَّحِم. وجميعُهم لا يزالون – رغم اختلاف مواقعهم الحالية – على عهد به ووفاء.
سألت سيدنا عالي ولد محمد خونا، وهو وزير عزيزي سابق ورئيس حزب العهد الديمقراطي الممنوع من عقد جمعيته التأسيسية، كيف لموريتاني مثلي أن يزور محمد ولد عبد العزيز زيارةَ مجاملة واطمئنان، لا سياسة فيها ولا دعاية ولا مرافعة؟ فردّ بعفوية وحُرقة لا تخطئها الأذن، أن أقصى ما يملكونه من صلة به هو المرور في الشارع المقابل لزنزانته، ترقُّبا للحظات مسائية نادرة يقف فيها خلف النافذة، ليتبادلوا معه إشارات الأيدي من بعيد…
وبالمثل، تحدثت مع صديقي محمد ولد جبريل – وهو وزير عزيزي آخر وأستاذ جامعي – فأطلعته على مسودة أعدّها تعليقا على الموضوع، وتعليقا على الحكم النهائي على ملف العشرية؛ وكل ذلك في إطار حديث عن أحداث السنة المنصرمة تقرر تسجيله منذ أكثر من أسبوع وما زالت المستجدات تؤجله.
وعندما سألت محمد ولد جبريل عن شدة ومستوى ما أعلنه المحامون مؤخرا بخصوص تدهور صحة محمد ولد عبد العزيز وحاجته إلى علاج مختص خارج موريتانيا؛ لم يهوّن من جدية الأمر.
إن الإصرار على وضع الرئيس السابق في سجن انفرادي، وعزله عن محيطه البشري بهذا الشكل المبالغ فيه، ليس إجراء أمنيا مستساغا، بقدرما هو عقاب نفسي مُهين وتجاوزٌ لحدود المروءة الموريتانية الأصلية.
أليس “شِي متْعَدَّلْ” هو أعظم وأبسط وسيلة توصَّل إليها مجتمعنا هذا، بمختلف جهاته وجبهاته واعتباراته، وهو أقوى سلاح استخدمه؟ ألم يبرهنوا، على امتداد تاريخهم ونوازلهم، أن “شِي متْعَدَّلْ” أشد تأثيرا من قنبلة نووية؟
بلى. ولكنْ، أن يُحرم رجل قاد البلاد عقدا من الزمان من زائر يؤنس وحشته، ويُقصر تواصله مع أصدقائه ورفقائه في إشارات معدودة من خلف النافذة… هذا مسلك لا يليق بأخلاق الموريتانيين. إن هذا العزل يحاول تحطيم الروح قبل الجسد، وهو ما يرفضه الضمير الجمعي لهذا البلد. ولست متأكدا – ألبتَّةَ – أن موريتانيًّا واحدا يسعده هذا الأمر. ولا أظن أن رئيس الجمهورية، محمد ولد الشيخ الغزواني، إلا في مقدمة مَن لا يسعدون به.
ومما يلفت الانتباه، وهو الأكثر دلالة في هذا الباب، أنك لا تجد شخصا واحدا – من أولئك الذين كانوا موالاة لولد عبد العزيز بالأمس، وموالاة لولد الشيخ الغزواني اليوم – إلا ويعتريه حرجٌ بالغ من طريقة تسيير الملف، وقلقٌ على مآلاته. أما المواطن الموريتاني البسيط، فإنه أشدُّ ذهولا وأقلُّ تصديقا للسردية الرسمية.
إن هذا القلق الصامت، المتردد في صدور الموالين قبل المعارضين، ليس عاطفة عابرة، بل استنكار مكتوم لمسار لا يرى فيه عامة الموريتانيين أكثر من تجاوز لحدود الخصومة السياسية إلى تخوم التشفي؛ لتزداد المفارقة حدّة حين توضع تلك المعاملة في سياقها المالي والسياسي الأوسع.
لقد عرفت ميزانيات الدولة، مذْ غادر ولد عبد العزيز السلطة سنة 2019، قفزات فلكية ( 1300 مليار في هذا العام، و 1200 مليار في العام الماضي). هنالك تبرز المفارقة التي تضع كل شيء على المحك: كم استرجع الشعب الموريتاني من هذه الميزانيات التريليونية؟ فما يُعلن عنه – في خضم حملات دعائية رسمية متواصلة – لا يتجاوز مبالغ “مجهرية” لا قيمة لها مقارنة بمجموع الميزانيات المذكورة. أما إذا أخذنا بعين الاعتبار ما أُنجز بتلك الميزانيات، وما لم يُنجز، فسيتبين أن ما خفي أعظم!
فكيف يستقيم عدْلا أن يُختزل فساد منظومة كاملة في رجل واحد، بينما تُسبح المليارات الجديدة في قنوات غامضة لا تمسّها يد المساءلة الحقيقية؟
كيف يُسجن ولد عبد العزيز وحيدا بتهمة نهب أموال الشعب، في حالة “استثناء” لا نجد لها شبيها: لا شريك معه في السجن، ولا مستفيد، ولا مسهِّل… لا سلَفٌ قَبْله، ولا خلفٌ بعده؟
مع أنه ليس لجدلنا اليوم أن يغرق في تفصيلات الإدانة والبراءة، أو في كواليس محاكمة النظام لنفسه ومآخذِ تلك المحاكمة، أو في فساد عهده ذلك وصلاحِ عهده هذا… إنما السؤال الجوهري الذي يمسّ ضمير المجتمع أكثر ويثير فضوله هو: هل يُدار الملف الصحي للرئيس السابق بشفافية لا ظلم فيها ولا تعسُّف؟
قد يكثر الخصوم، وتتعدد جَبَهات العداء في السياسة والمال، حتى بين الرفاق السابقين والأتباع. وقد يدعي بعضهم أن ضحية اليوم كان جلادهم بالأمس. وليس شيء من ذلك ببعيد من الانتقام والتشفي. وإذا ما تقبلنا ذلك من أفراد ضحايا، فهل نتقبله من الدولة؟
إن الدول لا تُدار بمنطق تصفية الحسابات أو ضغائن القرناء والنظراء… ولنا في تجارب الأمم دروس. ولمن يلتبس عليه الفرق بين دولة تُحاسِب ودولةٍ تُذِلّ، أن يتأمل النماذج العالمية التالية:
حين أُدين الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، قبل شهور، بحكم نافذ من قضاء قلَّ مَن يشك في مصداقيته واستقلاله، لم تُمحَ إنسانية الرجل، ولم تُكسر رمزيته، ولم تتحول الخصومة السياسية إلى قطيعة بشرية. بل عبّر ألدُّ خصومه السياسيين عن تعاطف وجداني وطني منقطع النظير أكدوا فيه أن ميزان القضاء يقتصّ للحق، لكنه لا يسعى للإذلال أو التشفي. فزاره خصومه علنا ودون تحرُّج أو خوف من التأويل. بل زاره رئيس الجمهورية نفسه، وصرَّح أن تطبيق القانون لا يعني الإذلال وأن مكانة الرؤساء السابقين جزء من مكانة الجمهورية. وكذلك فعل غريمه الاشتراكي السابق فرانسوا هولاند.
حتى إن جيرالد دارمانان، وزير الداخلية في الحكومة التي يُحاكم ساركوزي في ظلها، عبّر عن وفائه الإنساني بوضوح قائلا: “نيكولا ساركوزي بالنسبة لي هو رجل دولة عظيم قدم الكثير لفرنسا. ولا أنسى – ما حييتُ – ما أدين له به على المستويين الشخصي والسياسي. إن الحكم القضائي – يقول دارمانان – قاسٍ جدا، لكن الرجل سيظل، بالنسبة للكثير من الفرنسيين، رئيسا بنى الكثير.” وبمرارة أشد وتمسُّكٍ بعهد صاحبها، قالت وزيرة عدل ساركوزي، رشيدة داتي، إن ما يمارس ضده هو نوع من المطاردة التي تتجاوز الحق العام”.
لم يُسجن ساركوزي في زنزانة انفرادية، ولم يُمنع الوزراء من زيارته، بل ظل يمارس حياته الاجتماعية والسياسية (بقيود السوار الإلكتروني) ويستقبل زواره في مكتبه أو منزله.
ولم يتجسّد هذا النموذج، نموذج “الكرامة خلف القضبان” أكثر مما تجسّد في البرازيل سُجن الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا (قبل أن تُلغى إدانته ويعود للرئاسة). ورغم كونه سُجن في عهد عدوه الشعبوي اللدود، وبتهم فساد كبرى، إلا أن الدولة وفرت له ظروفا تحفظ كرامته ورمزيته، كالسماح له باستقبال وفود سياسية، ونقابية، وشخصيات عالمية من حجم نعوم تشومسكي. والأمثلة كثيرة، في إيطاليا والبيرو ومصر وغيرها.
وقد سبق للموريتانيين، ببساطتهم العميقة، أن أجملوا فلسفة الإنصاف في أبسط تركيب: هو: «شِي متْعدّل».
لسنا نطالب اليوم بتبييض حقبة، ولا بإعادة كتابة تاريخها. بل نطلب ما تعارف عليه البشر قبل تدوين الدساتير: علاجا يحفظ الرمق، وصِلةَ رحِم تخفف وعْثاء السجن، وحقا في الحركة وضياء الشمس، ونهايةً لهذا العزل الانفرادي الموحش.
وأول مطلوب في هذا الباب، هو رفع الحظر – رسميا وعلنا – والحرجِ والخوفِ عن كل من يريد زيارة الرجل، من موظف سابق أو لاحق، ومن رجل أعمال، ومن وجيه أو قريب، ومن سياسي، ومواطن عاد… فظلم هؤلاء مجتمعين، أغلظ من ظلم رجل واحد.
أما إذا كان محمد ولد عبد العزيز مريضا، كما يكرر محاموه وذووه، ويحتاج إلى مزيد من العناية والعلاج في مستشفيات متخصصة، فهذه ليست مسألة سياسية، ولا حتى قانونية بالمعنى السطحي للكلمة، وإنما هي قضية إنسانية خالصة تمتحن ضمير الدولة والمجتمع قبل أن تمتحن خصما أو مدانا. وهل يليق بخواتيم ملف استنزف جهد الدولة والمجتمع لسنوات أن تُكتب بحبر الصمت والالتباس؟
وليست الشفافية هنا منحة لمتهم أو ميزة له عن باقي السجناء، بل هي شهادة براءة للدولة أمام التاريخ، تثبت من خلالها أنها لا تخفي شيئا ولا تخشى الحقيقة.
زد على ذلك أن حق الموريتانيين في إخراج هذا الملف من سراديب الهمس إلى علانية الحق، ومن لعبة المراهنة بمصائر الرؤساء إلى تثبيت حقوق الناس، هو الضمان الوحيد لحماية مجتمعنا من سموم التشفي ومن انقسام يغذيه الغموض. وهذا أسوأ من جريمة… إنه خطأ، كما قال تاليران عندما سمع بإعدام دوق دانغيان، الوريث الوحيد والأخير لفرع آل كوندي، سنة بأمر من نابليون.
أحمد بن هارون – 9 يناير 2026

