أقلام

دور البعث الموريتاني في محاولة كوماندوز 16 مارس (معلومات تنشر لأول مرة عن البعث الموريتاني )ح9

 

 

الحرب العراقية-الإيرانية ومحاولة 16 مارس 1981

سبتمبر عام ثمانين وتسعمائة وألف، اندلعت الحرب العراقية الإيرانية. فاستحوذت على جل اهتماماتي، شأني في ذلك شأن الكثيرين من المهتمين بتوحيد جهود أمتنا العربية، تجاه قضيتنا المحورية في فلسطين الحبيبة الأبية.
كنت بحكم قربي من الأوساط العراقية، دائم الاطلاع على مختلف مكامن الاختلاف العميق والمتجذر، بين القيادة العراقية، والمعارضة من داخل الطائفة الشيعية، كحزب الدعوة على سبيل المثال.
بنجاح آية الله الخميني، في قيادة ثورة الشعب الإيراني، وإطاحته بشاه إيران، حليف أمريكا وإسرائيل، يضيف ثقلا وقوة للمعارضة الشيعية، فبلغ الاندفاع والحماس الثوري في إيران قوة استحال معها التحكم في فورانه، المهدد باكتساح كل السوح، وأولها الساحة العراقية، التي تشترك مع إيران في أكثر القضايا والملفات تعقيدا؛ قديما وحديثا.
ينضاف لهذا قوة النظام العراقي، والمستوى العالي لجاهزية الجيش، وما يتلقاه من دعم في محيطه العربي، كل ذلك جعل من تجنب الصدام أمرا شبه مستحيل. فطبقا للمعلومات المتوفرة لدي، لم يكن هناك محيد عن المواجهة، رغم مالها من تبعات خطيرة، وأضرار ستلحق عموم المنطقة، وهي التي تتطلب تضافر كل الجهود لتحرير ثرواتها واستغلالها لصالح شعوبها، وتحرير فلسطين من براثين العدو الصهيوني الغاصب.

انطلقت الشرارة الأولى للحرب، بعد حدوث تفجيرات في العاصمة العراقية بغداد، فبدأت التعبئة ضد النفوذ الإيراني وتم طرد الآلاف من العراقيين ذوي الاصول الايرانية ،هذا الطرد الذي كان له تأثير خطير على قوة المعارضة العراقية في إيران برغم ما ابدته إيران من عداء لإسرائيل وقطع العلاقات معها واعطاء مقر السفارة الإسرائيلية لممثلية فلسطين.

كل ذلك لم يؤثر على التوجه السريع للحرب بين القطرين المعاديين لإسرائيل وداعمتها الكبيرة امريكا ولم نتردد في دعم العراق رغما احساسنا بعبثية هذ الوضع ولقد كنت غير مطمئن من دعم السعودية ودول الخليج للعراق لأنني على يقين أن دول الخليج والسعودية على وجه أخص، لن تتصرف إلا بما تمليه الإدارة الأمريكية.
ولقد ازداد قلقي عندما اظهرت فرنسا مساندتها للعراق فتجربة التاريخ تؤكد عداء امريكا وفرنسا لكل المصالح القومية والاسلامية دون استثناء ابتداء بالحرب الصليبية ومرورا باحتلال الجزائر واتفاقية تقسيم المنطقة (سايس-بيكو) ودعم قيام اسرائيل واعطائها الاسلحة الحديثة طائرات مراج وتزويدها بالسلاح النووي…إلى آخر ذلك من انواع الدعم اللوجستي. اما امريكا فمواقفها معروفة سلفا وهذا ما سبب لي قلقا وعدم اطمئنان تجاه الحرب التي تدور رحاها بين العراق وإيران.
السادس عشر من مارس، زارني ممد ين احمد في حدود العاشرة، في منزلي بالسبخه، وهو حينها مدير بإحدى إدارات التعليم الثانوي.
تبادلنا التحية، ففهمت من تقاسيم وجهه أن هناك خطبا ما، فلم يكن ممد ليتنقل في وقت الدوام الرسمي إلا لأمر بالغ الأهمية وربما الخطورة. لم يطل كثيرا، وسـألني عن الأخبار، وماذا يجري بالضبط؟ وقال: لقد أخبرني محمد يحظيه قبل قليل أن طلقات نارية يسمع دويها في القصر الرئاسي، وأخبرني أيضا بوجود قتلى، وعليكم اتخاذ الإجراءات اللازمة في أسرع وقت.
ركبت معه في سيارته، فسيارتي لم تكن حاضرة حينها، والوضع لا يحتمل التواني والانتظار. ذهبت إلى الرفيق “محمد سعيد” المعروف بـ”الداه بن الحسين”. وجدته بمنزله، لم يبرح مكانه ذلك اليوم لسبب لم أعد أتذكره. كان يقود قوة كبيرة من القطاع العسكري السادس. كان رفقته بعض الضباط الآخرين، فأخبرته الخبر، واصطحبته معي من أجل الاتصال بالعناصر العسكرية من الحرس الوطني. التقينا الرفاق: “المختار بن السالك” و “الشيخ بن نشمو” بالإضافة لآخرين كانوا قد بدأوا التحرك لتطويق مقر الحرس، واستطاعوا استعادة مبنى الإذاعة من مجموعة الكوماندوز: “أحمد سالم بن سيدي” و “انيانغ”.
اتصلنا بـ”الشيخ بن الشواف” قائد القوات الرئاسية، ومعه ضباط آخرون، واصطحب “محمد سعيد” ضابطا من العناصر التابعة له، ضمن الوحدات التي يقودها، وكان حينها في إجازة، وأوصلت الجميع إلى مقر تواجد عدة عناصر عسكرية، ليتمكنوا من الانتقال بسلاسة باتجاه وحداتهم العسكرية، بعد أن تم ربط الاتصال بين مختلف القيادات في القيادة العامة للجيوش، والحرس، والدرك، وتم وضع خطة محكمة للسيطرة على الوضع، والامساك بزمام الأمور.
حال وصولنا، محمد سعيد وأنا، أخبروني أنه قبل قليل سقط الرفيق “اند حبيب”. وقع علي الخبر كالصاعقة، وبلغ بي التأثر والحزن مبلغه، لفقدان رجل شهم، دمث الخلق، ودود، عطوف، كريم. حالي في هذا حال محمد سعيد، وكل الذين عرفوا “اند حبيب”.
صادف وصول الكوماندوز يوم مسؤولية “اند حبيب” عن المداومة، حيث أننا سبق وأعددنا نظام مراقبة للأوضاع والتحركات العسكرية، حيث يتم تداول المداومة بين المسؤولين عن المداومة كل أربع وعشرين ساعة؟
استشهد مع “اند حبيب”، الرفيق “يعقوب” وكيل شرطة، بالإضافة لعنصر من الدماعة، وآخرين من الدرك، استشهدا في الرئاسة. وقد ضبطت الأمور في العاصمة نواكشوط من طرف الجماعة وأصدقائها من كل القطاعات، الأمر الذي جعل “ولد هيدالة” بعد عودته من شمال البلاد، يتأكد من أن الأمر بيد البعثيين إذا شاؤوا.
من هنا بدأ في إجراءات سريعة للتخفيف من خطر البعثيين كمرحلة أولى، قبل أن يقوم بتصفيتهم لاحقا، حيث بدأ في تعيينهم بوظائف مدنية، مصحوبة بإجراءات أخرى، كالمتابعة والتخويف حينا، والإغراء في أحايين أخرى. وقد سبق أن ذكرت أن الأمور باتت واضحة كالشمس في رابعة النهار، وأن المواجهة باتت حتميه ولا مفر منها. لكن الإقدام على استلام السلطة -إن أمكن- لا يعدو كونه قفزا في الفراغ، فلا يمكن في الوقت الحالي أن نضمن الحفاظ على النظام، ولا التسيير المحكم.
رغم ما يتعرض له الحزب من اضطهاد، وتفتيت وتذويب فإنني لا زلت أومن بأن أفضل قرار تبنيناه واتخذناه كان قرار الإحجام عن أخذ السلطة. ولقد بدأت مرحلة من الاستهداف الممنهج للتنظيم العسكري بعد 16 مارس 1981، وأرغم عدد لا بأس به من خيرة الضباط بالاعتراف والتعهد بترك الحزب، وإن كان منهم من لم يلتزم بتركه، فإن عددا لا يستهان استمر في ابتعاده عن الحزب، والبعض أبدل الرفقة بالعداوة، وفتح حربا لا هوادة فيها ضد التنظيم. وإذا كان الكثيرون يرون أن التنظيم ظل متماسكا حتى قيام معاوية ولد سيدي أحمد الطايع بحملته التي استهدفت تصفيته بشكل نهائي واجتثاثه من جذوره؛ فإنني أرى أنه لو كان التنظيم قويا ومتماسكا حقا، لكان تفكيكه أصعب على النظام، وإن كنت أدرك أيضا الصمود الأسطوري لبعض العسكريين، وقد اطلعت شخصيا على مجهودات بذلها النظام لثني بعض الشجعان عن مواقفهم؛ وقد باءت كلها بالفشل، وصمدوا تحت التعذيب، وتمسكوا بالصبر والثبات حتى النهاية.
ولم يكن هذا موقف الجميع، كما هو الحال في التنظيم المدني، الذي سهلت ليونته مهمة إنهاء فعالية التنظيم، فلا يمكن انهاء التنظيم في كل الظروف، فلا القمع مهما كانت وحشيته سينهي التنظيم، فالفكر البعثي فينا خالط العقل والوجدان، وما يحاك ضده لا يعدو مناورة للحد من قوته، أو تأخيره لخطوات عن تحقيق الهدف المنشود، أما ما لحق به وجعله يتوقف، فليس إلا نتاجا لتراجع العقيدة والمبدأ. وأنا على يقين أن كثيرين لا يشاطرونني الرأي، والبعض ربما لكونه جزء من التنظيم العسكري، لديه انطباعات وآراء غير التي نرى. على العموم لا بأس من كل ذلك، فلكل منا زاويته التي يرى منها الأمور.
والله اعلم بالصواب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى