حين عُلِّقت كرامةُ أمةٍ على حبلِ الإعدام

في كلِّ عيدِ أضحى، لا تأتي التكبيرات وحدها…
يأتي معها ذلك الجرح القديم، وكأن الزمن لم يمضِ، وكأن فجر بغداد ما زال معلّقًا في ذاكرة الأمة إلى اليوم.
نتذكّر المشهد بصمتٍ موجع، ونشعر أن شيئًا في داخلنا انكسر منذ تلك اللحظة؛ حين أُعدم صدام حسين في يومٍ كان يفترض أن يكون عيدًا للمسلمين، يومًا تتصافح فيه الأرواح قبل الأيدي، وتعلو فيه معاني الرحمة والوحدة والمحبة.
لكن صباح العيد يومها بدا مختلفًا…
امتزجت التكبيرات بالألم، واختلطت فرحة العيد بمرارة المشهد، وشعر ملايين العرب والمسلمين أن الأمة كلها تقف على منصة الإعدام، لا رجلٌ واحد فقط.
ومنذ ذلك الفجر، بقيت صورة بغداد الحزينة عالقةً في الوجدان العربي، لا بوصفها نهاية رئيسٍ فحسب، بل بوصفها لحظةً شعر فيها كثيرون أن الكبرياء العربي يُعلَّق أمام أعين العالم في مشهدٍ ثقيلٍ لا يُنسى.
خذلته أمةٌ كانت يومًا تهتزّ لأجل صرخةٍ واحدة، فتفرّقت حين احتاج الموقف رجالًا لا كلمات، ومواقف لا صمتًا طويلًا. تُرك وحيدًا في مواجهة عاصفةٍ اجتمعت فيها قوى الأرض، لكنه ظلّ ثابتًا حتى لحظاته الأخيرة؛ لا يرتجف صوته، ولا تنحني قامته، يواجه النهاية بثباتٍ أدهش خصومه قبل مؤيديه.
وربما لهذا بقيت صورته حيّةً في ذاكرة كثيرين؛ لأن بعض الرجال لا يصنعهم النصر فقط، بل تصنعهم أيضًا لحظات الثبات حين ينهار كل شيء من حولهم.
ثم مضت السنوات…
لكن العراق بعد ذلك لم يعد العراق الذي عرفته الأمة طويلًا. دخلت أرض الرافدين مرحلةً قاسية من الانقسام والفوضى، وتكاثرت عليها الصراعات والولاءات الضيقة، حتى بدا الوطن الذي كان رمزًا للقوة والسيادة مثقلًا بالجراح والتجاذبات.
شعر كثيرون أن العراق لم يُنهكه الغزو وحده، بل أرهقته أيضًا خلافات الداخل، وتنازع المصالح، وغياب المشروع الوطني الجامع، حتى أصبح العراقي يخشى على وطنه من الانقسام بقدر ما يخشاه من أعدائه.
وصار المشهد أكثر ألمًا…
بلدٌ كان يُرهب خصومه بوحدته وهيبته، أصبح ساحةً مفتوحة للفتن والاستنزاف، وكأن سقوط بغداد لم يكن سقوط نظامٍ فقط، بل سقوط مرحلةٍ كاملة من الحضور العربي وهيبته السياسية.
قد يختلف الناس حول السياسات والتجارب والحكام، لكن بعض المشاهد تتجاوز الخلاف، وتدخل مباشرةً إلى وجدان الشعوب. ولهذا بقي ذلك الفجر حاضرًا في ذاكرة الملايين؛ لأن ما حدث يومها لم يكن حدثًا عابرًا، بل لحظةً اختلط فيها الألم بالشعور العميق بالخذلان والانكسار.
تمرّ الأعوام، وتتغيّر الوجوه والخرائط، لكن بعض المشاهد تبقى أكبر من الزمن؛ لأنها لا تسكن الذاكرة وحدها، بل تسكن شعور أمةٍ كاملة ما زالت تبحث بين الانكسارات عن معنى الكرامة والسيادة والوفاء.
رحم الله صدام حسين، فقد رحل وبقيت صورته محفورةً في ذاكرة الملايين، لا لأن الجميع اتفقوا معه، بل لأن لحظات الثبات الكبرى تصنع في وجدان الشعوب أثرًا لا يمحوه الزمن. واجه نهايته واقفًا، ثابتَ الصوت والقلب، في لحظةٍ شعر فيها كثيرون أن رجلًا يرحل، لكن كرامة أمةٍ كاملة تُختبر معه.
وستبقى بعض الأسماء حاضرةً في التاريخ؛ لأن أصحابها لم ينحنوا في اللحظات التي كان فيها الانحناء أسهل من المواجهة. رحم الله من مضى، وحفظ العراق وأهله، وأعاد لهذه الأمة وحدتها وكرامتها وسيادتها.


