الحكومة السنغالية الجديدة وغياب حزب «باستيف»: إعادة تشكيل السلطة أم بداية توازن سياسي جديد؟/بقلم احمد محمد حماده

جاء الإعلان عن تشكيل الحكومة السنغالية الجديدة في لحظة سياسية دقيقة تعيشها البلاد بعد استحقاق انتخابي حمل وعودًا واسعة بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع وفتح صفحة جديدة في إدارة الشأن العام. غير أن الحدث الذي استأثر بالاهتمام لم يكن توزيع الحقائب ولا أسماء الوزراء بقدر ما كان الغياب اللافت لحزب «باستيف» عن التركيبة الحكومية، رغم حضوره القوي في المشهد السياسي وارتباطه خلال السنوات الأخيرة بموجة التغيير التي أعادت تشكيل المزاج العام في السنغال.
وهنا لا يبرز السؤال حول من دخل الحكومة، بل لماذا بقي الحزب الأكثر تأثيرًا خارجها؟ وماذا يكشف ذلك عن طبيعة المرحلة المقبلة؟
منذ ظهوره كقوة سياسية صاعدة، لم يقدّم «باستيف» نفسه كحزب انتخابي تقليدي يسعى إلى اقتسام السلطة أو إدارة التوازنات القائمة، بل كحامل لمشروع سياسي يقوم على القطيعة مع أنماط الحكم السابقة، وإعادة النظر في بنية الإدارة والاقتصاد، وصياغة علاقة أكثر استقلالية مع الخارج. ومن هذا المنظور، كان يُفترض أن يشكّل دخوله الحكومة الامتداد الطبيعي لهذا المشروع.
لكن الانتقال من المعارضة إلى الحكم لا يتم دائمًا وفق منطق الشعارات.
فالأحزاب التي تصل إلى عتبة السلطة تواجه سؤالًا جوهريًا: هل تمنح الأولوية للحفاظ على هويتها السياسية أم تختار الاندماج الكامل في إدارة الدولة؟ وفي الحالة السنغالية، يبدو أن جزءًا من الإجابة جاء عبر خيار التمايز بدل الذوبان.
يمكن قراءة عدم مشاركة الحزب في الحكومة بوصفه تعبيرًا عن اختلاف في تصور ممارسة السلطة أكثر منه خلافًا ظرفيًا حول المناصب. فالدخول الجزئي إلى الحكم قد يحوّل الأحزاب إلى شريك في تحمل الكلفة السياسية دون امتلاك القدرة الكاملة على صناعة القرار، وهو ما شهدته تجارب عديدة في الديمقراطيات الناشئة.
ومن هذه الزاوية، قد يكون الابتعاد عن الحكومة محاولة لتجنب الاستنزاف المبكر والمحافظة على الرصيد الشعبي الذي راكمه الحزب خلال سنوات المعارضة.
لكن ثمة قراءة أخرى لا تقل أهمية؛ وهي أن ما يجري لا يعكس انسحابًا من الحكم بقدر ما يمثل إعادة توزيع للأدوار داخل معسكر السلطة نفسه. فإذا لم يعد الجهاز التنفيذي المجال الأساسي للتأثير، فقد تتحول المؤسسة التشريعية إلى مركز الثقل الجديد، بما تمنحه من أدوات للتشريع والرقابة وصياغة الأجندة السياسية.
هذا التصور يعكس فهمًا أكثر مرونة للسلطة؛ إذ لا تُختزل القدرة على التأثير في عدد المقاعد الوزارية، بل في القدرة على توجيه القرار داخل مؤسسات متعددة.
ومن زاوية ثالثة، يمكن فهم هذا الغياب باعتباره رسالة سياسية موجهة إلى مؤسسة الرئاسة ذاتها؛ رسالة تتعلق بحدود الاستقلالية التي ترغب الأحزاب في الحفاظ عليها بعد وصول حلفائها إلى السلطة، وبكيفية توزيع الشرعية بين التفويض الانتخابي والقرار التنفيذي.
غير أن هذا الخيار لا يخلو من المخاطر.
فالابتعاد عن الحكومة يمنح الحزب مساحة أكبر للحفاظ على خطابه الإصلاحي وحرية أكبر في النقد، لكنه في المقابل يحرمه من اختبار قدرته على الإدارة والتنفيذ، وهي المرحلة التي تنتقل فيها الأحزاب من الوعود إلى النتائج.
كما أن استمرار هذه المسافة قد يخلق نوعًا من الالتباس السياسي إذا لم تُحدد المسؤوليات بوضوح أمام الرأي العام.
في المقابل، تجد الحكومة الجديدة نفسها أمام تحدٍّ مزدوج: الحفاظ على الاستقرار السياسي من جهة، وإقناع الشارع بأنها تمثل بالفعل مشروع التغيير من جهة أخرى، بينما تبقى القوة السياسية الأكثر حضورًا خارج بنيتها التنفيذية.
تاريخ السنغال يمنح مساحة من التفاؤل؛ فقد ظلت البلاد لعقود تقدم نموذجًا نسبيًا في إدارة الانتقال السياسي وتجنب القطيعة المؤسساتية التي عرفتها دول أخرى في الإقليم. إلا أن المرحلة الحالية تختلف في طبيعة رهاناتها، إذ لم يعد التحدي مقتصرًا على التداول الديمقراطي، بل أصبح مرتبطًا بقدرة المؤسسات على تحويل آمال التغيير إلى سياسات ملموسة.
في النهاية، قد لا يكون غياب «باستيف» عن الحكومة مؤشرًا على أزمة داخل السلطة بقدر ما قد يكون علامة على تشكل نموذج جديد للعلاقة بين الحزب والدولة؛ نموذج تُقاس فيه القوة السياسية بمدى القدرة على التأثير لا بعدد الوزراء.
الأشهر المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت السنغال بصدد تجربة جديدة للتعايش السياسي داخل معسكر الحكم، أم أمام بداية إعادة اصطفاف قد تعيد رسم المشهد السياسي بأكمله.




