الحوار الوطني حين يُضبط إيقاعه من داخل النظام/ عالي ولد أبنو

قرر منسق الحوار الوطني إنهاء التعاون مع مستشاره التقني، على خلفية مقال رأي بعنوان “الولاية الرئاسية الثالثة: حذارِ من تجاوز الخطوط الحمراء”؛ شارك الأخير في كتابته، عارض فيه بوضوح فرضية المأمورية الرئاسية الثالثة.
وقد يبدو قرار المنسق، في ظاهره ولأول وهلة، إجراء تنظيميا يندرج ضمن متطلبات إدارة مسار حواري دقيق، غير أن قراءته في سياقها السياسي الأوسع تكشف عن ما هو أعمق من مجرد خلاف حول حدود الدور أو مقتضيات التحفظ.
فما جرى، إن لم يكن صراعا شخصيا – وهو على الأرجح ليس كذلك – فقد مثل لحظة كاشفة لطبيعة الحياد الممكن في حوار يُدار من داخل النظام، وبأدواته، وبشخصيات اختيرت بعناية لا تخفى دوافعها على من يعرف تاريخها ومساراتها وعلاقتها الطويلة ببنية السلطة حتى حين كانت تنشط في المعارضة؛ فالحياد، في مثل هذه السياقات، لا يُختبر بالشعارات، بل بالمسافة الفعلية من النظام القائم، وبالقدرة على فتح الملفات لا فقط تنظيم النقاش حولها.
فحرية التعبير، بوصفها حقا لا جدال فيه، تتبدل دلالتها حين تُمارَس من داخل موقع استشاري في حوار ترعاه الدولة، ويُنظر إليه منذ لحظة الإعلان عنه باعتباره آلية سياسية لإدارة المرحلة المقبلة، لا مجرد فضاء وطني لإعادة التأسيس. عندها، لا يعود الرأي مجرد اجتهاد فكري، بل يُقرأ بوصفه عنصر تشويش على حوار مرسوم الإيقاع سلفا، وخصوصا إذا مس قضايا يعتبرها النظام جوهرية لاستمراره.
الإشكال، هنا، لا يكمن في مضمون المقال ولا في مشروعية اعتراضه على المأمورية الثالثة، بل في كونه قال ما يُفترض، في منطق هذا النوع من الحوارات، أن يُؤجل أو يُعاد تدويره بصيغة أقل حدة. فالرأي الذي يُحتمل خارج قاعة الحوار، يصبح غير مرغوب فيه داخلها، لا لأنه خاطئ، بل لأنه يسبق المخرجات التي يُراد لها أن تأتي في توقيت محسوب وبصياغات متدرجة؛ تلك المخرجات التي يُرجح الكثير من المراقبين أنها قد أصبحت جاهزة قبل الإعلان عن الدعوة للحوار.
ولا يبدو من قبيل المصادفة أن يتزامن هذا التشدد مع اقتراب إطلاق حوار يُرجَّح، في نظر كثيرين، أن يكون هدفه الأعمق هو ضبط النقاش الوطني حول مستقبل المسار السياسي للوصول إلى عملية إخراج محكم تجعل طماحات النظام جرت في جو يمكن أن يسمى جوا تشاوريا يسمح بتحقيق ما يسعى له النظام في جو أكثر هدوء، لا مساءلته جذريا. فالحوارات التي تُدار بهذا المنطق لا تُستبعد منها فرضيات التمديد أو التعديل الدستوري، بل يُعاد تأطيرها تدريجيا، لتخرج في النهاية على شكل “توصيات توافقية” تفتح الباب أمام تعديل دستوري يتيح تعدد المأموريات، أو تمديدها، أو الجمع بين الأمرين، تحت عناوين الاستقرار والتدرج والإجماع الوطني.
في هذا السياق، يصبح دور منسق الحوار بالغ الحساسية. فبدل أن يكون حارسا لتعدد الأصوات، يُنتظر منه بحكم موقعه وثقة النظام فيه، أن يضبط إيقاع النقاش، وأن يحول دون انزلاقه نحو أسئلة يعتبرها النظام سابقة لأوانها أو مكلفة سياسيا. وهنا، يتحول الحياد من قيمة جامعة إلى أداة تنظيم، ومن مبدأ إلى وظيفة.
لا يُنتظر من المستشار أو الخبير داخل مسار حواري أن يتخلى عن قناعاته، لكن يُنتظر من منسق الحوار، إذا أراد للمسار أن يكتسب مصداقية حقيقية، أن يتحرر -ولو جزئيا- من منطق النظام الذي عينه، وأن يدرك أن الحوار الذي يُضبط سقفه مسبقا لا ينتج توافقا، بل يؤجل الانفجار ما أمكن ذلك.
وفي المقابل، لا ينبغي اختزال متطلبات التحفظ في خطاب تقني محايد ظاهريا، بينما يُفعل فعليا كلما اقترب النقاش من جوهر السلطة وقواعد تداولها. فذلك النوع من التحفظ لا يحمي الحوار، بل يحمي النظام من الحوار.
ما نحتاجه اليوم ليس حوارا يُدار لإنتاج مخرجات مريحة للسلطة وتضمن تأبيد النظام، بل مسارا يملك الشجاعة لطرح الأسئلة المؤجلة، وفي مقدمتها سؤال المأموريات وحدود السلطة. فالتجارب السياسية علمتنا أن أخطر الحوارات ليست تلك التي تفشل علنا، بل تلك التي تنجح شكليا، وتُنتج توافقات تُفرغ الدستور من روحه باسم الاستقرار.
ويبقى السؤال مفتوحا، لا على سبيل الاتهام بل بوصفه شرطا لأي نقاش صادق:
هل يمكن لحوار وطني يُنسَّق من داخل منطق النظام أن يقود إلى إصلاح يمس قواعد هذا النظام؟
وأين تنتهي إدارة الحوار وأين يبدأ هندسة الاستمرار؟



