أقلام

العلاقة بين الثقافة والمدينة / أ. المصطفى اگليب

 

العلاقة بين الثقافة والمدينة
نشأت الفلسفة بوصفها أرقى نمط من أنماط الثقافة والتفكير في حضارة اليونان بعد أن نشأت المدن .
وبالتالي فإن الفلسفة هي بنت المدينة وتعبير عنها وتتويج لجهودها في مسار تشكل ثقافتها .
في المدينة اليونانية انصهرت القبائل ( الدوريون والآخيون والإليون والأيونيون ) لتظهر الطبقات على المستوى الاقتصادي والمواطنون على المستوى السياسي .
أصبحت المدينة فضاء عاما لنشاط الإنسان المبدع وأصبحت الساحة العامة ” الآغورا” ملتقى لليونانيين ، فيها يتحاورون ويمتحنون الآراء والأفكار .
وكان للحجاج والخطابة دور فعال في إنارة الدروب أمام المتعطشين إلى اكتساب المعارف وتغيير واقع المدينة نحو الأفضل .
لم يكن يكفي بالنسبة لليونانيين أن تكون صاحب ثروة أو جاه أو منصب سياسي بل أصبح من الضروري أن تكون قادرا إلى الاقناع وتوجيه الجمهور .
لقد أصبحت الخطاب وسيلة من وسائل القيادة .
وفي هذا الفضاء قامت الفلسفة بدور مركزي بحيث أصبحت توصف بأنها هي المعجزة اليونانية .
قبل ظهور الفلسفة شارك كل من الكاهن والعراف والشاعر والحكيم في إنتاج الخطاب ، وكان كل هؤلاء يميلون إلى احتكار المعرفة والتعالي على الجمهور .
وكان في المدينة اليونانية ثقافة المسرح إنتاجا وتمثيلا .
بعد ظهور الفيلسوف صارت المعرفة متاحة للجميع ، كما كانت ثقافة المسرح متاحة لهم .
ولكن أصبح عليهم فقط أن يبذلوا الجهد من أجل الوصول إلى الحقيقة لأنها لا تورث ولا تتعلق بالإنتماء الطبقي .
كان الحكيم يدعي أنه يمتلك الحكمة وبالتالي فهو لا يبحث عنها .
أما الفيلسوف فهو أكثر تواضعا : إنه لا يمتلك الحكمة ولكنها يحبها ، وعلاقة المحبة هذه جعلته يبحث عنها ويسعى إليها بكل جهده وقدرته الإنسانية .
وأثناء البحث تزداد معرفة الفيلسوف لأنه اعترف بأنه لا يعرف أما الحكيم فيظل واقفا حيث هو لأنه لا يبحث مادام يمتلك .
مع ظهور السفسطائي البارع في الجدل والتلاعب باللغة سيصبح البحث عن الحكمة مهددا ، وستصبح القيم الجامعة محل سؤال وتشكيك .
لقد جعل بروتوغوراس من الإنسان مقياسا للحقيقية وذلك الشعار هو ما شرح آفلاطون دلالته لاحقا بقوله ” ما تراه أنت على أنه حق هو حق كما تراه وما أراه أنا على أنه حق هو حق كما أراه وأنت إنسان وأنا إنسان ” .
لقد أصبح هذا الخطاب النسبوي عائقا أمام الوصول إلى الحقائق المشتركة وأمام تأسيس قيم جامعة .
فكان لا بد للمدينة اليونانية أن تدافع عن مكاسبها التي توصل إليها الفلاسفة السابقون فظهر سقراط لإعادة الأمور إلى نصابها.
وقد ظلت الفلسفة خلال تاريخها في المرحلة اليونانية تحاول التخلص من السفسطة ( السفسطة كما فهمها اليونانيون وليس كما فهمها بعض الدارسين المعاصرين .)
بالنسبة للثقافة في موريتانيا لم تكن ابنة المدينة بل كانت ابنة البادية العالمة .
صحيح أن المدن أو الحواضر الكبيرة قامت بدور في بعض المراحل في احتضان الفعل الثقافي واستوعبت بعض الأفراد القادمين من مراكز الثقافة في البلدان الإسلامية .
ولكن بعد تراجع عطاء تلك المدن نتيجة لأسباب كثيرة انتقلت حركة الثقافة إلى الهوامش إلى المحيط البدوي المحاذي ، وأصبحت المكتبات تحمل على ظهور النوق في الحل والترحال .
وأصبحت الخيام موطن العلم والمعرفة ، في سابقة مخالفة لسنن العمران البشري كما تحدث عنه ابن خلدون .
وفي هذه البادية الشنقيطة العالمة تداخلت الأزمنة حيث تعايش الشعر الجاهلي مع الفقه الإسلامي والثقافة العباسية مع الثقافة الاندلسية ، فكان الشناقطة موتقة لانصهار الروافد
ورغم أن الثقافة الشنقيطية قد غلب عليها طابع الذاكرة والاسترداد فإنها مع ذلك كانت لها خصوصيتها السياقية من حيث المضامين والصياغات .
وبعد تأسيس العاصمة انواكشوط وانطلاق التعليم في المدارس تشكلت في بلاد الشناقطة ثقافة المدينة من جديد ، بعد الاتصال بمدن الحضارة الغربية و بمدن الشرق العربي .
وبذلك عدنا إلى تعايش الأزمنة الثقافية وتعدد الروافد وتنوع القيم .
وبعد زمن من التمدرس ومن الإنتاج الثقافي وفق معايير متعددة وانطلاقا من روافد متنوعة ومتباينة .
ها هي مدينة انواكشوط تصبح عاصمة للثقافة في العالم الإسلامي .
فما الذي سيكون الغالب على ثقافتنا ونحن نستقبل هذا الحدث بكل حفاوة وترحيب .
هل هو ثقافة البادية أم ثقافة المدينة ؟ منطق الثبات والاستقرار أم منطق الحل والترحال .
الخطاب النسبوي التنسيبي أم الخطاب الموحد الجامع
ثقافة التقليد والأصالة أم ثقافة الحداثة والمعاصرة ؟
أم أنه على مدينة انواكشوط أن تحضن الثقافة بكل ابعادها وتنوعها ؟
أليس التنوع من مميزات الثقافة ومقتضياتها ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى