أقلام

حين يسيء الراب… سقوط الفن وانحدار الكلمة/المهندس: محمد يحيى المحمود

 

 

في زمن أصبحت فيه وسائل التعبير مفتوحة على مصراعيها، وتعددت فيه المنصات التي تتيح لكل فرد أن يسمع صوته، يبقى السؤال الأهم: هل كل ما يقال يعد فنا؟ وهل حرية التعبير تبرر الإساءة والتجريح؟

لقد صدمت، كما صدم غيري، عند الاستماع صدفة إلى إحدى أغاني الراب التي تجاوزت حدود النقد المشروع، وانزلقت إلى مستوى الإساءة المباشرة لشخص محمد ولد الشيخ الغزواني، رئيس الجمهورية، وهو رمز الدولة ووحدتها.

إن الفن، في جوهره، رسالة سامية تهدف إلى الارتقاء بالوعي، ومساءلة الواقع بأسلوب راق ومسؤول. أما حين يتحول إلى وسيلة للتشهير أو التقليل من الهيبة والاحترام الواجبين للمؤسسات، فإنه يفقد قيمته، ويصبح مجرد ضجيج لا يخدم المجتمع، بل يسيء إليه.

لا أحد ينكر أن النقد حق مكفول، بل هو ضرورة في أي مجتمع يسعى للتطور. غير أن هذا النقد ينبغي أن يكون موضوعيا، محترما، ومبنيا على الحجة لا على السباب. فالفارق كبير بين نقد السياسات أو القرارات، وبين التعرض للأشخاص بأسلوب جارح يفتقر إلى الأخلاق والمسؤولية.

كما أن لفن الراب، على وجه الخصوص، تاريخا في التعبير عن قضايا الشباب وهمومهم، لكنه حين يستعمل لتصفية الحسابات أو بث خطاب مسيء، فإنه يسيء لنفسه أولا قبل أن يسيء لغيره، ويشوّه صورة هذا اللون الفني الذي كان يفترض أن يكون صوتا للوعي لا أداة للإسفاف.

إن احترام رموز الدولة لا يعني تعطيل النقد، بل يعني الحفاظ على الحد الأدنى من اللياقة والوعي بأن الكلمات لها أثر، وأن الفن مسؤولية قبل أن يكون حرية. ومن هذا المنطلق، فإن التنديد بمثل هذه الأعمال ليس تضييقا على الإبداع، بل دفاع عن القيم، وصون للذوق العام.

ختاما، يبقى الأمل معقودا على أن يدرك المبدعون، وخاصة الشباب منهم، أن الكلمة أمانة، وأن الفن الحقيقي هو الذي يبني ولا يهدم، يجمع ولا يفرق، ويرتقي بالمجتمع بدل أن ينحدر به.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى